صديق الحسيني القنوجي البخاري
64
فتح البيان في مقاصد القرآن
هذا ابن جرير ، ونقله السدي عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة ، واستشهد له ابن جرير بقوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ [ آل عمران : 199 ] وبقوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [ القصص : 52 ] والآية الأولى نزلت في مؤمني العرب ، وقيل إن الآيتين جميعا في المؤمنين على العموم ، وعلى هذا فالجملة عطف على الجملة الأولى صفة للمتقين بعد صفة أو مرفوعة على الاستئناف ، أو عطف على المتقين ، والتقدير هدى لهم وللذين يؤمنون ، الحق أن هذه الآية في المؤمنين كالتي قبلها وليس مجرد ذكر الإيمان بما أنزل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما أنزل إلى من قبله بمقتضى لجعل ذلك وصفا لمؤمني أهل الكتاب ، ولم يأت ما يوجب المخالفة لهذا ، ولا في نظم القرآن ما يقتضي ذلك ، وقد ثبت الثناء على من جمع بين الأمرين من المؤمنين في غير آية فمن ذلك قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [ النساء : 136 ] وقوله تعالى : وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [ العنكبوت : 46 ] وقوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] وقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [ النساء : 152 ] . وَبِالْآخِرَةِ أي بالدار الآخرة ، تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول كما أن الدنيا تأنيث الأدنى غلبتا على الدارين فجرتا مجرى الأسماء وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ [ القصص : 83 ] وسميت آخرة لتأخرها عن الدنيا وكونها بعدها هُمْ يُوقِنُونَ الإيقان إيقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه ، قال في الكشاف فالمراد أنهم يوقنون بالبعث والنشور وسائر أمور الآخرة من دون شك ، وفي تقديم الظرف مع بناء الفعل على الضمير إشعار بالحصر ، وأن ما عدا هذا الأمر الذي هو أساس الإيمان ورأسه ليس بمستأهل عندهم للإيقان به والقطع بوقوعه ، وفيه تعريض ممن عداهم من أهل الكتاب ، فإن اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين . أُولئِكَ أي الذين هذه صفتهم وما فيه من البعد للإشعار بعلو درجتهم ورفعة مرتبتهم في الفضل وهو مبتدأ وخبره عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أي على رشاد ونور ، وقيل على استقامة منحوها من عنده وأوتوها من قبله ، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي إلى الأفضل فالأفضل والإبهام المفهوم من التنكير في ( هدى ) لكمال تفخيمه أي على هدى أي هدى ، لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره ، وهذا كلام مستأنف بياني ، ويمكن أن يكون خبرا عن الذين يؤمنون بالغيب فيكون متصلا بما قبله .